بواسطة

9 إجابة

0 تصويتات
بواسطة

تحليل قصيدة: (عابرون .. في كلام عابر).

تنطلق الحوارية في نص محمود درويش "عابرون في كلام عابر" من خليط يصنع صورة كلية لنصّه، وتتجزّأ هذه الصورة في صور جزئية. ثم تتجمّع هذه الصور الجزئية لتشكل الصورة الكلية من جديد، دون شعورٍ بفصل الصورة الكلية عن صورها الجزئية المكوّنة لها. هذا الخليط المشار إليه هو الوهم الذي يعيشه اليهود الآن بماضٍ تأسس على وهم. وكله باطل بطلان عكوف بني إسرائيل، في الماضي، على عجل مقدّس كآلهة لهم، إلى آخر ما يتبع انحرافهم عن الألوهية الواحدة من فساد في التصوّرات وفساد في الحياة. فبطلان ما كان من العجل المقدّس يقابله بطلان حاضر، وينتظره المصير نفسه من الدّمار في نهاية المطاف(1).

ولعل المرجعية التاريخية هي المرجعية التي بنى عليها محمود درويش قصيدته ونرى فيها كيف يتخذ بنو إسرائيل إلهاً غير الله -سبحانه- الذي فضّلهم، واختارهم ليورثهم الأرض المقدّسة -التي كانت إذ ذاك في أيدٍ مشركة-. ولم يطل عهد بني إسرائيل بعد أن كانوا يسامون الخسف في ظل الوثنية الجاهلية عند فرعون وملئه، ومنذ أن أنقذهم نبيهم وزعيمهم موسى -عليه السلام- باسم الله الواحد -رب العالمين - الذي أهلك عدوّهم، وشق لهم البحر… إنهم خارجون للتو من مصر ووثنيتها، ولكن هاهم أولاء ما إن يجاوزوا البحر حتى تقع أبصارهم على قوم وثنيين، عاكفين على أصنام لهم، مستغرقين في طقوسهم الوثنية؛ وإذا هم يطلبون إلى موسى -رسول رب العالمين- الذي أخرجهم من مصر باسم الإسلام -دين كل الأنبياء- والتوحيد-، أن يتخذ لهم وثناً يعبدونه من جديد!. وهذه هي الطبيعة مخلخلة العزيمة، ضعيفة الرّوح، ما تكاد تهتدي حتى تضل. والأهم أنه ما تكاد ترتفع حتى تنحط. ويظهر أن استعباد فرعون لبني إسرائيل كان إجراءً سياسياً خوفاً من تكاثرهم وغلبتهم. وشتّان ما بين فهم فرعون الواعي بأنّ موسى -عليه السلام- كصاحب عقيدة، جاء مخفياً وراء عقيدته هدفاً من الأهداف وهو الأرض(2)، وأن دعوته ستار للملك والحكم… ولقد طلب موسى إطلاق بني إسرائيل تمهيداً للاستيلاء على الحكم والأرض، فوعى موسى معنى العقيدة. ووعى فرعون ما يعيه موسى-فشتّان ما بين فهم فرعون الواعي وفهم بني إسرائيل الذين طلبوا إلهاً وثنياً يعبدونه!… هكذا قابل فرعون موسى بمثل ما يعتقد أنه طريقه إلى قلوب قومه: بالسحر. وظاهريّاً: السحر يقابله السحر، ولكن الذي لم يصل فهمه إلى فرعون أن للعقائد رصيداً من عون الله -جل وعلا- نحو الغلبة، لا بالظواهر فقط.

0 تصويتات
بواسطة

والعجل المقدّس، صورة مزرية لبني البشر في تاريخ أديان، كانت تمثله بنو إسرائيل: صورة فيها تهافت لعجل صنعه السامري/ وهو رجل منهم ، ابتلاهم الله - سبحانه - بما صنع كما أن في العجل عودة إلى الذهب معبود بني إسرائيل الأصيل الذي ألقوه على العجل، أو صنع السامري العجل منه. لكنه - في كل الأحوال - موجود ، يسرق عقولهم، كما سرقوه أول مرة من زينة المصريين، فأقنعهم السامري ،ليلقوه فهو حرام. وصاغ لهم عجلاً منه. ولمّا رأوا خواره بفعلة السامري/الذي قذف عليه من تراب الرسول فخار.. وأصبحت صورة حياة وطأة فرس الرسول للأرض بالإنبات تقابلها صورة حياة العجل بجعله جسداً له خوار.. تعمقاً في فتنتهم، ومناسبة لمحاباة الله - سبحانه - لهم بعد كل هذه المساعدات. لكنهم سرعان ما نسوا ربهم، وعكفوا على عجل الذهب في بلاهة فكر و بلادة روح : أن نسي موسى -عليه السلام - ربه، وضل عنه. ولمّا نبههم هارون - عليه السلام - بأن العجل فتنة ، و نصحهم بطاعته كما تواعدوا مع موسى - عليه السلام - وأنه عائد إليهم بعد ميعاده مع ربه على الجبــل… التووا و تملصوا من نصحه، ومن عهدهم لنبيهم بطاعته، و قالوا بأنهم لن يبرحوا مكانهم عاكفين على العجل حتى يرجع إليهم موسى.(1) كل هذا مما أُثر عنهم ، يذكرنا به مقطع محمود درويش :

كدّسوا أوهامكم في حــفرة مهجورة ، و انصرفوا

و أعيدوا عـقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس.

و قد بدأنا في تحليلنا من المقطع الأخير الذي يجسد قصة "العجل المقدس" ، لضرورة منهجية حملتها القصيدة لتتناسب مع الفكر الإنساني الذي تحكيه في كلامها العابر .

يتكون نص محمود درويش من ثلاثة وخمسين سطراً شعرياً، تقسمت على مقاطع أربعة المقطع الأول فيه أربع وأربعون مفردة، و الثاني فيه ثمان وستون مفردة، و الثالث فيه خمـس و سبعون مفردة، و الرابع فيه مئة وأربع وأربعون مفردة : أي بازدياد ملحوظ لكل مقطع عن تاليه في عدد المفردات، مما يزيد عدد الجمل من العبارات، ويزيد عدد التراكيب من الجمل .

0 تصويتات
بواسطة

وقد تكرر عند درويش لازمة :

أيها المارّون بين الكلمات العابرة

وجاءت التكرارات كلها في مطلع كل مقطع من المقاطع الأربعة، ويمسك الشاعر بلحظة صورته الكلية في كل مقطع بشعرية ملحوظة: هي لحظة إمّا أن يقول الشاعر فيها ما يريد أن يقوله هو، كما في المقطعين الأوليين، أو لحظة يقول الشاعر فيها ما تقوله الأسطورة؛ فتتشكل اللحظة المشتركة ممّا يقوله و ما تقوله الأسطورة ثم تتشكل للقصيدة رؤياها.

وربما يؤسس درويش أبعاداً لحقيقة يريد نقلها، وهنا يبني الشاعر رؤاه من واقع مرجعه الأسطوري، وتتحول الأسطورة إلى واقع، بعكس غير صحيح؛ إذ لا يمكن أن يتحول الواقع إلى أسطورة -كما قد يزعم -. ويبدو في حديث الأسطورة المختزل ذي العبور المتسارع في الوجود، كشف للواقع، وهذه دعوة النقد للاتصال بجوهر الأسطورة لا بشكلها.

ومن العنوان تظهر لنا فكرتان : فكرة تاريخية يعلمها الجميع من كلمة (عبر) ومنها استنبط درويش كلمتي (عابرون)، و (عابر) .

وفكرة حاضرة في أذهاننا من كلمة (كلم) ومنها استنبط كلمة (كلام) وقد ربط العبور بنقط تفتح الأفق رحباً نحو التأويل فقال :

عابـــرون..

وقد ربط الكلام بحرف جر ثم بصفة تلتصق لصقاً يمنع التأويل. فالكلام عابر. وتفيد صيغة المجرورات هنا عكس المفردات، فنقول:

عابرون .. في كلام عابر

وقد نقول: في كلام عابر عابرون. وتبقى النقاط هي الحد الفاصل الذي معه تختلف تأويلاتنا. فالجملة التركيبية الثانية هي الأصح من حيث تقديم شبه الجملة (الخبر) على مبتدئه. والمبتدأ غير مخصّص بوصفٍ أو إضافة. أمّا أنه نكرة فهو جمْع يقترب من المفرد في جميع حروفه:ع، ا، ب، ر؛ ممّا يعطي المعنى لغة إيقاعية ذات تناغم متميز: فهم عابرون.. وسيبقون في كلام عابر. و( عابرون ) جواب لاستفهام مقدر: من هم؟ وهو جواب العارف.

تشير كلمة (العبور) إلى قصة تاريخية نعرفها باسمها (العبور) الذي أعطى الحق لبني إسرائيل بتسميتهم:العبرانيين -فيما قيل- ثم أسسوا مملكتهم الخاصّة. كما توحي الكلمة بصراع الأنثروبولوجيا:التي تقتحم ما عجز التاريخ عن اقتحامه، وتعيد بناء فترات تاريخية غابرة لا توجد عنها إلاّ شواهد متفرّقة(1)، في ضوء ما عرف من أن جنوب الجزيرة العربية كان مأهولاً قبل آلاف ثلاثة مضت -تقريباً-، وقد بنى العبريون حضارتهم مذ كانوا قبيلة صغيرة إلى أن استقروا على مشارف الهلال الخصيب. وكان فيهم مرض الشعور بالنقص ومحاولة التغلب عليه بالسطو على 

0 تصويتات
بواسطة

ومما قاله عنهم (فريزر) في كتابه الفولكلور في العهد القديم، إن لهم تصوّراً للرب والأنبياء على نحو لا يختلف كثيراً عن تصور الوثنيين في جنوب الجزيرة حيث تشيع الكهانة وتمارس طقوس السحر. ومرّ بنا رغبتهم في عبادة آلهة يعرفونها، بزعمهم، ومن ناحية أخرى فقد دعموا آراءهم بما سلبوه من البابليين والكنعانيين الذين أُثر عنهم إدمان الوصف للمظهر الشعائري للحياة -بحثاً عن أسطورةٍ مقدّسة-. ومع كلّ ما تقدّم فقد عاش عرب متحضرون ينتمون إلى إرم بن سام بن نوح. وكانوا يسكنون شمالي جزيرة العرب حتى جنوبي فلسطين، وقد سكن أولاد إرم من عاد وثمود وجُرهم الأول، وهو غير جرهم الآخر الذي جاء بعد لاوذ بجيلين، وانجب جُرهم القحطانية أو جُرهم الثانية وسكنوا في الجنوب. وإلى إرم نسبت شعوب العرب البائدة، ويقال إنهم هاجروا إلى وادي النهرين في تاريخ مجهول وأسسوا حضارة بابل. وكان قبل بابل العمالقة. وفيما عُرف، فقد استوطن بشر قبل السومريين أيضاً في هذه المنطقة-وادي النهرين-قبل آلاف أربعة تقريباً، وقد اجتاح عرب الشام منطقة سومر، وأخذوا عن ثقافتهم، واقتبسوا حروفهم الكتابية آخذين بأسباب الحضارة، وهؤلاء العرب هم:العموريون. وقد وقعت لهم هجرتان؛ وتأسست بالهجرة الثانية السلالة العمورية الأولى في بابل حيث يحكم حمورابي/الذي مات سنة 2081ق.م. بعد أن حكم أرض الجزيرة السفلى ثلاثاً وأربعين سنة. وبعد خمسة قرون من تأسيس السلالة العمورية تأسست حول نينوى إمبراطورية أشور، ولم يكن ثمة شيء -حتى هذا التاريخ- اسمه دولة إسرائيل. ولما آنس العبريون من أنفسهم قوة، بعد أن عبروا إلى وادي النهرين ثم تسللوا إلى الشام (1300-1200 ق.م) تقريباً، خافوا الدخول إلى الآراميين والكنعانيين، وظلّوا على عادة التمسّح بالقوي الذي يجاورونه: فهم أيام إبراهيم آراميون، وهم أيام (إشعيا) كنعانيون، وعندما انتصر المصريون بقيادة تحوتمس الثالث في معركة قادش سنة 1285 خلعوا جلودهم وتبجحوا بجلد إسرائيل وتاهوا مع سليمان بن داود (970-933 ق.م)..

لقد جاور اليهود إقليمنا العربي بحضارته فيما يتصل بقيمة الإنسان البدائي، وهو الأساس الطبيعي نحو فهم الحضارة الإنسانية في عمومها، فلا بدّ بالتبعية وبحكم الاتصال أن يكون للعرب دورهم البنائي. وتظهر أحقية العرب في بناء عالم الجزيرة القديم. ولقد كان ساميو اليمن والحبشة في الجنوب وساميو كنعان في الوسط وساميو سوريا وبابل وأشور في الشمال وهم الآراميون من أولاد بيتٍ عربيّ واحد، وكان الإسرائيليون عالة على أولاد أولئك، حتى جاء داود وسليمان -وهما أعظم ملوك اليهود- وعقدوا تحالفاً مع حيرام أمير صور الفينيقية، وكانت هذه هي وصيدا مركزي إشعاع عربي على مدى العالم، وحرصاً في الوقت نفسه على المضي في تمثل ثقافة السكان الأصليين تحت التأثير الكنعاني المؤكد.

وبموت سليمان حوالي سنة 933 ق.م. انقسم الإسرائيليون إلى شماليين وجنوبيين، وقامت مملكة شمالية في عهد عمرى/الذي أسس ملك إسرائيل (887-877 ق.م.) في مدينة السامرة، لتكون عاصمة جديدة لملكه-كما تخبر ألواح أشور-، فقد قامت هذه المملكة بجمع التراث السامي واستغلاله في إذاعة حضارة متميزة، إلا أن هذه لم تستطع أن تبقى أمام سرجون الآشوري فقضى عليها. وبقيت المملكة الجنوبية إلى أن أنهاها بختنصر البابلي سنة 586 ق.م. ووقع ما يعرف في التاريخ بالأسر العظيم(1).

0 تصويتات
بواسطة
وهل نستطيع أن نفصل بلغة الحضارات القديمة، ماذا لنا وماذا لكم، وماذا ليس لكم؟ ربما، إذا دخلنا إلى الفكرة الأولى ودليل نفسية الإنسان الحاضر رابطين بين حاضر نعيش، وماضٍ سحيق به تاريخ-عرفناه-ونوجد تاريخاً مستقبلاً يُعنى بالمراحل الثقافية الأولى والوسطى والخاتمة فكلها تنتمي لأصل واحد، ولا يضيرها منْ يمرّ خلالها بضعفه وهوانه. إنّ للعرب بماضيهم وحاضرهم أساساً ثقافياً باقياً بإقرار حكاياته، وبموجود موروثاته، وببقاء طقوسه. فإلى أين أنتم عابرون؟، يا منْ عبرتم في كلام عابر، وليس لهذا الكلام والفعل إلاّ الاسم الذي جاء

و السلام - ، وأصبحت الكلمة (العبور) منطلقاً للفعل (العابر) ومعبرة لهم بأنهم (العابرون) .ولو كانت كرامتهم باقية من كرامة نبيهم لبقي اسمهم:العبرانيون، لكنهم الآن:عابرون. وفقط.

وتلك هي الكلمة الخالقة مقارنة مع الكلمة الجافة التي لا تملك صفة الخلق . والكلام جمع الكلمة التي ربما يكون لها قيمة، وربما لا يكون لها. وربما يكون لها قيمة ضمنية. فما هي حالها في حديثها عن العبور؟ إنها "كلام عابر" لا قيمة له.

وإذا صنعنا مرآة تطابق بين الفكرة الأولية للعبور وبين ما همّ عليه الآن وجدنا عجباً كبيراً:فلا شبه ولاتشابه، بل انحراف يشابه انحرافهم في الماضي مع موسى -عليه السلام-، وتصبح الكلمة التي تمسكوا بها (عبر) بلا قيمة بعد أن فقدت تجلّيها الفعلي، وفقدت قدرتها على الإنتاج، وجفّت فكرة، وجفّت مضموناً، وجفّت إمكانية!

إن القصيدة تأخذ شكل بنية فكرية متسقة، تستمد وحداتها من رؤيا الشاعر، وتداخل بين رؤيا الشاعر ورؤيا الأسطورة كما نقلت بكل مقوماتها ذات الأبعاد التاريخية والإنسانية وهذا ما يعرف بتوظيف الأفكار.

واستمراراً لمنطق توظيف الأفكار توظيفاً شعرياً، وما يتلوها من تفسيرات، فقد جاءت أسطورة الهدهد حلقة لا تنفصل عن سائر حلقات القصيدة العامة، وهي تلعب دورها المعد مسبقاً في إطار الصورة العامة لبنية القصيدة الفكرية.

وقد بدا لنا أهمية اتّكاء الشاعر على العجل المقدس، ونتبين الآن شيئاً من الشاعر -ربما- يريد به الإمساك باللحظة الإنسانية في شعريته وهي عنصر التحول في رؤياه التي ركّزنا الحديث عنها.

إن التحول الذي يجريه الشاعر يربط بين مستويي البعدين:التاريخي من جهة، والإنساني من جهة أخرى؛ من خلال روابط جذرية بينهما. وإذا بحثنا عن تلك الروابط في أسطورة الهدهد نجدها في معرفتنا التاريخية لأفق الهدهد وأنه:طائر سليمان -عليه السلام- العارف بمنطق الطير، رسول ملكة سبأ بلقيس (1) ونجد الهدهد في بعده الإنساني العام بأنه ربما يكون طائر الحكمة وبيت الأسرار والدليل وهادي الطريق.. وقد استلهم الشاعر هذه الرؤى؛ ليضع علاقة بين الواقع المعروف من التاريخ ، ومتى تكون المواجهة يصنع الفكر:ذو الرؤيا الأسطورية والدينية والإنسانية، ونقرأ رفض الشاعر لمنطق الحقيقة التي يعيشها؛ لأنها تقذف به إلى غيبيات مثالية.. تعبّر عنها فكر أسطورية:

فخذوا الماضي، إذا شئتم، إلى سوق التحف

وأعيدوا الهيكل العظمي للهدهد إن شئتم

على صحن خزف.
0 تصويتات
بواسطة

انظر لهذا الاختراق: إنها ذاكرة تكوينية تؤسس أسطوريّاً للانفلات عن مدار الواقع، استجابة لتطلعات أخرى وأحلام أخرى باختراق الواقع نحو معنى وجودي حلمي تخيلي. فما زالت أسطورة الهيكل -منذ نشأتها- صورة خيالية لوجود حلمي، لا أساس له في الواقع. ونكمل صورة شمولية المعنى الوجودي بقوله:

فلنا ما ليس يرضيكم، لنا المستقبل

ولنا في أرضنا ما نعمل

وهنا ينفرد الشاعر في حكمته عبر التجربة الوجدانية في الوجود، باستبصار معنى الوجود واللاوجود. وكيف استطاع استجلاء مرجعيته في أسطورة الهدهد رسول سليمان الحكيم -عليه السلام- إلى بلقيس.. ليمكن لك أن تفسّر علائق أخرى يمكن اكتشافها بدراسة الصورة الفنية المتولدة من البنى التي يقدمها الشاعر من خلال قصيدته على شكل صور نجملها في:

الصورة الأولى:

و نجد فيها مجموعة بنى ذات تكوين صوريّ، لا تتحدّد بمعنى مباشر، بل بانفتاحيات المعاني على دلالات إيحائية ذات تأويلات متوالدة. ويحمل الشاعر في صورته الكلية الأولى/المقطع الأول قدراً كبيراً من التفاؤل، تتوثق فيه هذه الصور الجزئية التي يمكن ملاحظتها وهي:

1- سيتوقف التاريخ الإنساني -كما نعرفه-، وسيحلّ محلّه مكان خال من التناقض. وهي صورة يوازيها توالد حلمي لشعرية:الحمل، والسحب، والسرقة، والأخذ، وأخيراً البناء. فهي أحداث/أفعال تتمحور حولها الصورة وفق إيقاع منظّم ومقياس محدد. أمّا الأحداث التي تناغم الصورة بلا انضباط لإيقاع منظم ومقياس محدد فهي التي تكررت بقوله:

وانصرفوا

وقوله:

كي تعرفوا، ولن تعرفوا

وهذه بنى مأخوذة بقوة مخيلة الشاعر، وهي تحمل المعنى المتعدد، وتعني ما تقوله. وما تشكله المخيلة تصور يتشكل من الفعل/الحدث وما يحيطه من ضمائم، ثم بما يشكله من تركيب في جمل صورية مرسومة.

قلنا عن توقف التاريخ الإنساني، ويكفي ما كان:

احملوا أسماءكم وانصرفوا

واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا

0 تصويتات
بواسطة

ونقول الآن عن الصورة الجزئية الثانية وهي:

2- صورة الحساب داخل الزمان بيننا؛ فالعالم الدنيوي ليس محلاًّ للحساب، ويوجد مكان في السماء خال من التناقض سيكون فيه الحساب. وهو مكان خارج التاريخ الذي عرفوه فقد: (سرقوا من زرقة البحر، وسرقوا من رمل الذاكرة، وأخذوا ما شاءوا من صور). وتناسبت صور السرقة والأخذ مع صورة المحاسبة. ونلمح بنية لونية، ومزجا رسميا بين الضوء/ الصورة السطحية، والظل/ الصورة الباطنة. كما نلمح تتالي الإيقاع بمتتاليات:

واسحبوا، واسرقوا، وخذوا

ولماذا كل هذه الصور المتتالية بالعطف بالواو: إنها دلالة المشاركة والتعاقب، إنها لتوليد حاجة في نفسنا لصورة أقوى تجعلنا نبتهج للنتيجة، ونوسع مخيلتنا وذاتنا: كي نعرف، أنهم لن يعرفوا:

كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء

وفي الصورة الثانية مزج بين صورتي السرقة والأخذ. ثم نلمح بنية لونية مشتركة بين زرقة البحر ورمل الذاكرة. وبين البحر والذاكرة أسرار مسروقة، وبين الزرقة والرمل لونان يتعايشان معاً، في رؤية مثالية غارقة في الحسابات، برؤية فوقية/ تسرق وتأخذ دون حساب. ولم كل هذا ؟:

كي تعرفوا

أنكم لن تعرفوا

كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء

وفي لغة الصورة، يبقى مخزون لا شعوري، وهو جزء مهم من المعنى لدى الشاعر، يترك للمتلقي البحث عنه، وكيف للشاعر أن يجلب السامع للمعنى الحقيقي من صورة التاريخ الإنساني، وصورة الحساب. إنها قدرة على المسّ: مسّ الواقع بالإيقاعات الصورية الممكن تحقيقها، فهذا حجر من أرضنا انتفض مع انتفاضة نفسنا وبنى سقف السماء: رافضاً حقائق تاريخية استنامت، ومنطق حقيقة يقذف إلى غيبيات مثالية لا أساس لها.

وهذه النتيجة تعيد القارئ إلى بدء الصورة الأولى/ المقطع الأول لتكتمل الدائرة، فالمعرفة بـ(كي تعرفوا) تعني لـ(تحملوا أسماءكم وتنصرفوا، وتسحبوا ساعاتكم، وتنصرفوا). ثم ليأتي وقت الحساب وتصبح العناصر المكونة للمقاومة عناصر خرافية نسبة للحقائق. وهو نظام قائم بين عناصر تحيط بالإنسان هي: الصور، وبين الإنسان ذاته: أي بين ما هو حدث البناء. فكل ما مرّ وحمل وسحب وسرق وأخذ، هو أفق مغلق، بينما يبقى أفق البناء مفتوحاً. فكيف إذا بنى حجر سقف السماء، فهل سيغلق؟!!.

0 تصويتات
بواسطة
والآن إلى الصورة الثانية/ والمقطع الثاني:

وفيها يظهر الشاعر إنساناً معجزاً: كأن السماء -في لغة الأسطورة- تمده بصفات فوق إنسانية؛ فدمه في مقابل السيف، ولحمه في مقابل النار، وحجره في مقابل الدبابة، ومطره في مقابل القنبلة. وهذا إيمان بالمثل العليا من الشاعر، والشاعر بذاك لم يتجاوز حقائق الأشياء، لكنه لم يعد يتعامل مع الأشياء بماديتها المباشرة، وأصبح حسابه مغايراً لحساب غيره. وغيّب مدلولات الألفاظ الأرضية. وكانت نتيجة ما أراد هي: إمكانية التجاوز بالتمرد الإنساني على الواقع.

إن لغة المثل العليا هي ما يدفع الإنسان إلى الأمام، ولا يكتفي الشاعر بتخطي واقعه المادي، وتجاوز ذاته الفردية، بل يحكي لغة تحقق وجوداً أعلى وأفضل، وتتجاوز بوعي ما تعرضه من صور؛ ففي المقطع صورتان: الأولى لذاك الإنسان البطل صاحب المقاومة. والثانية لحركةٍ/ حدثٍ تصوّر حركة كلية في القصيدة = حركة الحياة. والحركة تتصور بالأخذ والدّخول وهي من طرفهم. ثم بالحراسة والحياة وهي من طرفنا، فمع أن السماء والهواء علينا وعليهم واحدة، لكننا-وقد أخذوا حصة من دمنا، ودخلوا حفل عشاء راقص باطمئنانهم- فعلينا أن نحرس ورد الشهداء، وأن نحيا كما نشاء وعليهم أن ينصرفوا.

وقد تكررت لازمة الانصراف. وجاءت خاتمة الصورة بنتيجة تشبه معرفتهم لبناء الأفق المفتوح بأننا:

نحيا كما نشاء.

ولرسم ما يقوله الشاعر في حركة صورة في النص فإنه يبدأ من حركة/ فعلية تصنع متتالية في النص، من خلال بؤرة تركز عدسة الصورة على أن يأخذوا.. وينصرفوا. وإذا بدأت الصورة بالحركة، فإنها تتبع بالزمن: زمن الفعل/ الحدث المستخدم، وأهميته في صنع زمنين رغم أنه (أمر) في زمنه، ويأمر بفعل مستقبل، لكنه يشير إلى تجربة ذاتية عاشها الشاعر، ويراها الجميع. وبعد الحركة والزمن تأتي صورة الوجود بوسطٍ:يمينه الاتصال ويساره الموقف؛ أما الاتصال بالوجود فهو عودة إلى مبنى الخيال، وردّ الحالة الواقعية التي نعيشها بالسيف والفولاذ والقنبلة إلى وجودٍ آخر في التاريخ الأسطوري لمن هذا حاله وهو ما سيظهره حديث الشاعر في المقطعين الثالث والرابع. والموقف من الوجود يظهره تصوير الشاعر للوجود من خلال الذّات الحيّة في صورة الشهيد/ الحيّ ليحق لنا:

أن نحيا كما نشاء.

وفي الصورة الثالثة: المقطع الثالث تبدو ثلاث صور جزئية، تقفز إلى ذهن الشاعر خلالها الصورة التشبيهية على غيرها من المعاني المصورة. وقد نبعت الصورتان التشبيهيتان

من فكرة مجردة تتصور:

الأولى: تشبيه صورة الكلمات العابرة بما فيها من أساطير لا أساس لها من الصحة بالغبار. وليس الغبار وحده، بل الغبار المر، وهو رمز يؤسس بعداً لحقيقة الوجود الذي نعيش/بالمرارة.

والثانية: صورة المرور كالحشرات الطائرة، التي إذا بحثنا عن علاقةٍ بين حدّين مشبّهين فيها نجده في صغر حجم الحشرة، وقدرتها على الطيران، وما تخلّفه من ضرر خلفها.
0 تصويتات
بواسطة

إن الماضي ببعده الرمزي يذكّر بالأصول والفروع، فهل يمكن لعاقل يعرف ماضيه ويختزنه أن يتجاهله، أو يقفز من فوقه، فيسلّم كلّ مفاتيح ماضيه لجلاّده؟ وها هو الشاعر يعلن انتماءه-هو وأصحابه- إلى ذلك الماضي بكل ما فيه، ويعلن ارتباطه بالماضي:ذاك الارتباط الذي يعني ارتباطه بالذاكرة الإنسانية التي يراد لها أن تمحى من الذاكرة نهائياً!(1). أما الحاضر الذي"لنا" فهو حاضر ممتد من ماض وسيمتد إلى مستقبل؛ لأن حاضر الاحتلال، وبعد المسافة بين الشاعر ووطنه لا يلغي ماضيه، فيعود الشاعر لتكرار أغنية ارتباطه بالأرض والبحر..

فاخرجوا من أرضنا

من برّنا.. من بحرنا

من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا

من كل شيء، واخرجوا

من ذكريات الذاكرة

أيها المارون بين الكلمات العابرة!..

وإصرار الشاعر على"لنا"، و"أرضنا"، و"بحرنا"، و"جرحنا"، إصرار له معنى أورده درويش بمستويات تعبيرية مختلفة؛ ليصل إلى نتيجة ترسم حدود وطنه(2) .

وهكذا يلامس الشاعر حدود تيار فكر اجتماعي وسياسي يربط فيه بين ذاكرة عاشت، وذاكرة تبحث في معرفة فهم ما تعيش. وهناك أوهام خادعة تعترض سبيلها، كوهم هدهد يعيد الهيكل، وعجل يُعبد من دون الله -سبحانه- وسيبقى كل ما يقال كلمات عابرة، آن لها أن تنصرف، وينصرف معها أصحابها، لأنهم وحدهم:

المارون بين الكلمات العابرة.

وبهذا الفعل وحده لا تعود الأسطورة موظفة لخدمة الشعر، ولا يصير الشعر ملتجئاً أو محتمياً بالأسطورة، وإنما يبني الشعر شعريته من خلال امتلاكه قاعه الأسطوري ليغدو الشعر والأسطورة وكأنهما خارجان من منبع واحد، ليصير الشعر ممتلئاً بصخب لحظته التاريخية دون أن يتلاشى في الأسطورة، بل بما يؤكد التعاضد بين الشعر والأسطورة على نحو عضوي(3).

اسئلة متعلقة

1 إجابة
0 إجابة
سُئل أبريل 20 بواسطة مجهول
أهلآ بكم زورانـا الـكرام في موقع فــزورة حيث نقدم اليكم كافة حلول الالغاز والالعاب والـشروحات والـدروس التـعليمـية وجميع الاسئلة العامة
 كلمات كراش


...